كتب/ احمد شلبى
لا أكتب اليوم من موقع الجدل أو من منصة التشكيك، بل من موقع الباحث الذى أمضى سنواتٍ بين صفحات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا، ورأى بأمّ عينيه حجم التراكم المعرفى الذى بُنى عليه فهمُ الإنسان للعالم ونشأة الحياة. لقد تعلّمنا—علميًّا—أن الكون لم يُلقَ بنا فيه فجأة، بل تكوّن عبر مليارات السنين بعمليات دقيقة يمكن قياسها ورصدها ومحاكاتها. وتعلّمنا كذلك أن الإنسان لم يهبط مكتملًا على مسرح الوجود، بل كان نتاج مسار طويل من التطوّر، يمتد مئات الآلاف من السنين، تشترك فيه الكائنات جميعها من خلال سلفٍ حيوي واحد جمعنا على شجرة الحياة الكبرى.
هذه ليست «وجهات نظر»؛ إنها نتائج تجارب ومختبرات وأدلة أحافير وسلاسل حمض نووى تؤكّد انحدارنا من سلف مشترك، كما تفسّر النواميس العلمية كيف نشأت المادة، وكيف تشكّلت المجرّات، وكيف نبتت أول خلية حيّة على كوكبٍ ما يزال قيد التشكل.
ولكن—وهنا جوهر ما أراه—العلم لا يسعى إلى سرقة الروح من الإنسان.
العلم يفسر الكيف، بينما يبحث الإيمان عن اللماذا.
العلم يصف قوانين الكون، والإيمان يجيب عن عطش الروح لمعنى يتجاوز المادة.
ما أراه اليوم من قلقٍ لدى البعض ليس نابعًا من العلم ذاته، بل من الخلط المستمر بين ساحتين لا ينبغي لهما أن تتصارعا أصلًا: ساحة الدين وساحة العلم.
الدين خطاب معنوي، روحي، أخلاقي، يلتمس الغاية والمعنى.
والعلم منهج تجريبي يقيس ويحلل ويستنتج، ويظلّ قابلًا للمراجعة والتصويب.
الاثنان لا يلتقيان لأنهما يطرحان أسئلة مختلفة، ويستخدمان أدوات مختلفة، ويتوجّهان لعوالم مختلفة. فالعلم لا يستطيع أن يملأ الفراغ الوجودي في قلب الإنسان، كما أن الروحانيات لا يمكنها أن تقدّم تحليلًا للحمض النووي أو معادلة للحركة.
مشكلتنا ليست مع العلم ولا مع الدين.
مشكلتنا مع من يُصرّ على إجبارهما على الجلوس على طاولة واحدة، وكأنّهما متخاصمان يجب إصلاح ما بينهما. بينما الحقيقة أنهما لا يتخاصمان ولا يتصالحان… لأنهما ببساطة لا يعملان فى المجال نفسه.
أنا—ككاتب وصحفي ومواطن يبحث عن الحقيقة—أؤمن إيمانًا راسخًا بأن للإنسان جذورًا بيولوجية واضحة لا يقف أمام ضوئها ظلّ، ولكنني فى الوقت نفسه لا أرى فى هذا التطوّر خصمًا لروحى ولا تهديدًا لإيمانى الداخلي. الإيمان تجربة شخصية، صوفية، شعورية، تتجاوز المختبرات والميكروسكوبات. ولا يحتاج الإنسان إلى رفض التطور أو التاريخ الجيولوجي للكون ليحتفظ بروحه مضيئة.
نعم، الإنسان وليد ملايين من التحولات… لكنه أيضًا كائن يبحث عن الخلود، ويصنع الفن والشعر والموسيقى، ويقف أمام الليل متسائلًا: من أنا؟ وإلى أين أذهب؟ وذلك سؤالٌ لا يجيب عنه التطور، بل يجيب عنه القلب.
إن احترام العلم واحترام الإيمان لا يتعارضان، شرط ألا نفرض على العلم ما ليس فيه، وألا نحمّل الروح ما لا تحتمله، وألا نجعل من الدين بديلًا عن المنهج التجريبي، أو من العلم بديلًا عن المعنى.
فى النهاية، سيظلّ الإنسان—مهما تطوّر—مزيجًا من عقلٍ يفهم، وروحٍ تبحث.
وهذا ما يجعله إنسانًا.
معاق برس حقوق لا عطايا