بقلم: أحمد شلبى
لم يعد الاتجار بالدين مجرد تجاوز فردي أو ظاهرة إعلامية عابرة، بل أصبح منظومة كاملة تُدار بعقلية السوق، وتُسوَّق فيها الفتاوى كما تُسوَّق السلع، ويُقاس فيها “النجاح” بعدد المشاهدات لا بعمق التأثير أو صدق الرسالة.
لقد خرج علينا ما يُسمّى بدعاة الستالايت، نجوم فضائيات يتقنون فن الأداء أكثر مما يتقنون أصول العلم. خطاب عاطفي مشحون، عبارات محفوظة، فتاوى جاهزة للاستهلاك السريع، وحضور دائم في كل أزمة وكأنهم أوصياء على الضمير الجمعي. الدين لديهم لم يعد رسالة إصلاح، بل “براند” إعلامي يُدار بفريق إعداد وإضاءة وإعلانات.
المشكلة ليست في الدعوة ذاتها، فالدعوة شرف ومسؤولية، لكن الكارثة حين تتحول إلى تجارة، وحين يصبح الهمّ هو توسيع قاعدة المتابعين لا تعميق وعيهم. هنا يتم تبسيط القضايا المعقدة، واختزال الإيمان في مظهر أو شعار، وإثارة الجدل المقصود لضمان البقاء في دائرة الضوء.
الأخطر من ذلك أن هذا المشهد لم ينشأ في فراغ. نحن مجتمع تم تجهيله عن عمد. أُضعفت فيه أدوات التفكير النقدي، وغُيِّب فيه السؤال الحر، حتى أصبح كثيرون يتلقون الخطاب الديني كما يتلقون إعلانًا ترويجيًا: تصفيق سريع، اقتناع عاطفي، ثم إعادة نشر بلا تمحيص.
لقد أثّر هذا النموذج على هوية المجتمع تأثيرًا مباشرًا. انقسم الناس بين تقديس أشخاص لا يُسألون، ورفضٍ كامل لكل خطاب ديني بسبب ممارسات البعض. تضخّم حضور الفرد، وتراجعت قيمة المؤسسة العلمية الرصينة. صار الصوت الأعلى هو الأكثر انتشارًا، لا الأكثر علمًا.
الدين في جوهره عدل ورحمة وعقل. لكن حين يُستغل لتحقيق نفوذ سياسي أو مكاسب مالية أو مكانة اجتماعية، يتحول إلى أداة استقطاب، ويصبح وسيلة للهيمنة لا للهداية. وهنا تبدأ الهوية في التشوه، لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز بين العالم الحقيقي و”نجم الشاشة” يفقد جزءًا من وعيه بذاته.
المواجهة لا تكون بالصراخ ولا بالتجريم الشامل، بل بإعادة الاعتبار للعلم المنهجي، ودعم المؤسسات الدينية الجادة، وتعزيز ثقافة السؤال والنقد. فالمجتمع الواعي لا يُخدع بسهولة، ولا يُقاد بعاطفة عابرة.
إن أخطر ما يهدد أي أمة ليس الاختلاف، بل الجهل المُصنَّع. وحين يُستخدم الدين كأداة في هذا التصنيع، تصبح الخسارة مضاعفة خسارة في الوعي، وخسارة في المعنى.
وهنا أقولها بوضوح الدين أكبر من أن يُختزل في برنامج تلفزيوني، وأعمق من أن يُدار بعقلية “الترند”. ومن حق هذا المجتمع أن يسمع خطابًا يُنير عقله لا يُدغدغ مشاعره، ويُبني إنسانًا لا يُنتج تابعًا.
معاق برس حقوق لا عطايا