أخبار عاجلة

لماذا يجب أن يُسائل الإنسان نفسه ؟

كتب / أحمد شلبى
في لحظةٍ ما من العمر، يقف الإنسان أمام مرآة ذاته، لا ليتأمل ملامحه، بل ليتفحّص المعنى: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وما الذي يجعل حياتي جديرة بأن تُعاش؟ تلك هي الأسئلة الوجودية التي طالما حاول البعض الهروب منها، لا لفراغها، بل لثِقلها، ولا لخطورتها، بل لصدقها. لقد جرى، عبر أزمنة طويلة، ربط التساؤل الوجودي بالخوف أو الضعف أو حتى الكفر والضلال، وكأن السؤال جريمة، وكأن اليقين لا يكتمل إلا بالصمت. والحقيقة أن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس الشك، بل التوقف عن السؤال. فالعقل الذي لا يسأل، يصدأ، والروح التي لا تتساءل، تذبل. مساءلة النفس ليست علامة ارتباك، بل دليل وعي. هي فعل شجاعة لا يقدم عليه إلا من أراد أن يعيش حياة حقيقية، لا حياة بالوكالة. فالإنسان الذي يسأل نفسه عن جدوى ما يفعل، وعن القيم التي تحكم اختياراته، وعن المعنى الذي يمنحه لألمه وفرحه، هو إنسان يحاول أن يكون صادقًا مع ذاته، لا نسخة مكررة مما يريده الآخرون. إن الخوف من الوصم الاجتماعي جعل كثيرين يدفنون أسئلتهم في أعماقهم، فيعيشون بوجوه مطمئنة وقلوب مضطربة. يخافون أن يُقال عنهم إنهم ضعفاء الإيمان، أو مهزوزون، أو حائرون، بينما الحيرة في حقيقتها مرحلة ضرورية من مراحل النضج الإنساني. فاليقين الذي لا يمر عبر السؤال، يقين هش، سرعان ما ينهار أمام أول صدمة. الأسئلة الوجودية لا تهدم الإيمان، بل تُنقّيه. لا تُضعف القيم، بل تختبرها. وهي لا تقود بالضرورة إلى إجابات نهائية، لكنها تفتح أبواب الفهم، وتمنح الإنسان تواضعًا معرفيًا يجعله أكثر رحمة بنفسه وبالآخرين. أن تُسائل نفسك يعني أن تعترف بإنسانيتك، بضعفك، وبحقك في البحث. ويعني أيضًا أن ترفض العيش بعقل مستعار، وأن تتحمل مسؤولية أفكارك واختياراتك. فالحياة التي لا تُفحَص، كما قال الحكماء، حياة لا تستحق أن تُعاش. لذلك، لا تخف من سؤالك، ولا تخجل من حيرتك. دع أسئلتك تعيش، تناقش، وتتمرد. فقد لا تصل إلى كل الإجابات، لكنك حتمًا ستصل إلى ذاتك، وتلك أعظم الإجابات.

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *