بقلم: أحمد شلبي
لم يكن جمال عبد الناصر بالنسبة لي – ومنذ طفولتي المبكرة – صورةً معلقة على الجدران، ولا اسمًا في كتاب التاريخ، بل كان إحساسًا غامضًا بالعدل، وشعورًا خفيًا بالأمان، وصوتًا يشبه صوت الناس البسطاء الذين يشبهون أبي وأمي وجيراني. كبرت، وكبر السؤال: لماذا أحب هذا الرجل؟ ولماذا يظل حيًّا في وجدان ملايين المصريين والعرب، رغم كل محاولات التشويه؟
الجواب ببساطة: لأن جمال عبد الناصر لم يكن حاكمًا عابرًا، بل تجربة إنسانية كبرى.
عبد الناصر… حين تكون الحرية وطنًا
الحرية عند عبد الناصر لم تكن حرية الصالونات ولا رفاهية النخب، بل حرية وطنٍ مُهان، وشعبٍ مكسور. حرية أن نرفع رؤوسنا بعد قرون من الاحتلال، وأن نقول “لا” حين كان قولها جريمة. تأميم قناة السويس لم يكن قرارًا اقتصاديًا فحسب، بل كان إعلان كرامة، لحظة قال فيها الفقراء: نحن هنا.
لهذا أحبّه الناس، ولهذا خافه أعداؤه.
العدالة الاجتماعية: حين انحاز الحاكم للناس
لأول مرة في تاريخ مصر الحديث، شعر الفلاح والعامل وابن الطبقة الوسطى أن الدولة تقف في صفه. الأرض عادت لأصحابها، والتعليم أصبح حقًا لا امتيازًا، والوظيفة لم تعد حكرًا على أبناء الذوات. أخطأ النظام؟ نعم. لكن النية كانت واضحة، والانحياز كان صريحًا.
عبد الناصر لم يكن ملاكًا، لكنه لم يكن يومًا تاجر شعارات.
لماذا يكرهه الإسلاميون؟
لأن جمال عبد الناصر أسقط القناع. كشف أن الإسلام السياسي ليس مشروع دين، بل مشروع سلطة. رفض أن تُحكم مصر من خلف الستار، أو أن يُستخدم الدين لتبرير العنف والهيمنة. اصطدم بالإخوان لا لأنهم “إسلاميون”، بل لأنهم أرادوا دولة داخل الدولة.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت حملة شيطنته:
مرة ديكتاتور،
مرة عدو الدين،
ومرة طاغية حارب الإسلام.
وكلها قراءات انتقامية للتاريخ.
وماذا عن بعض الأصوات الأزهرية؟
الأزهر كقيمة تاريخية أكبر من أن يُختزل في شيوخ مؤدلجين. عبد الناصر دعم الأزهر، وطوّره، ووسّع رسالته، لكن بعض المنتسبين إليه – لاحقًا – قرروا قراءة التاريخ بعيون الغضب لا العدل، وخلطوا بين صراع سياسي مع جماعة، وعداء للإسلام نفسه.
وهو خلط متعمد، ومضلل.
أخطاؤه… والفرق الجوهري
نعم، كانت هناك أخطاء جسيمة، أبرزها تقييد الحريات وهزيمة 1967. لكن الفارق الأخلاقي أن عبد الناصر:
اعترف بالخطأ.
تحمّل المسؤولية.
لم يهرب إلى الدين ولا إلى شماعات المؤامرة.
وبدأ من جديد.
وهذا ما لا يفعله الطغاة.
لماذا يظل حيًّا؟
لأن جمال عبد الناصر مات فقيرًا كما عاش.
لأنه لم يورّث حكمًا، ولا ثروة، ولا دمًا.
لأنه كان صادقًا حتى وهو يخطئ.
ولهذا، سيظل عبد الناصر رمزًا للحرية والعدالة والإنسانية، ليس لأننا نقدّسه، بل لأننا نقارن… وفي كل مقارنة، يخرج خصومه أصغر، وأكثر ضجيجًا، وأقل إنسانية.
التاريخ لا يرحم، لكنه يُنصف.
معاق برس حقوق لا عطايا