بقلم / أحمد شلبى
لم يكن رحيل الفيلسوف الكبير مراد وهبة حدثًا عابرًا في سجل الوفيات، بل كان زلزالًا هادئًا في ضمير الثقافة المصرية، وفقدًا فادحًا لعقلٍ نادرٍ عاش عمره كله مدافعًا عن حق الإنسان في أن يفكّر بلا خوف، وأن يؤمن بلا كراهية، وأن يعيش بلا وصاية.
رحل مراد وهبة جسدًا، لكن أفكاره لم تعرف طريق الرحيل. بقيت واقفة، صلبة، تشبهه تمامًا: عنيدة أمام التشدد، ساخرة من التحريم، شجاعة في مواجهة الأصولية الدينية التي أرهقت الروح المصرية، وأطفأت في كثيرين جذوة السؤال والدهشة.
كان مراد وهبة فيلسوف التنوير في زمنٍ عزّ فيه التنوير، ومفكر العقلانية في عصرٍ احتفت فيه الجماعات بالصوت العالي لا بالحجة، وبالفتوى لا بالفكرة. لم يكن ضد الدين، بل كان ضد اختطافه. لم يكن عدوًا للإيمان، بل خصمًا لدعاته حين يتحول إلى أداة قمع وسلاح إقصاء.
علّمنا أن العلمانية ليست كفرًا، بل ضمانة للتعدد، وأن العقل ليس عدوًا للنص، بل شريكه في الفهم، وأن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الاختلاف، بل تحويله إلى لعنة. كان يرى – ويكرر بلا ملل – أن الإرهاب يبدأ بفكرة، وأن مقاومته تبدأ بفكرة مضادة، لا بعصا غليظة ولا بخطاب غوغائي.
أحببت مراد وهبة لأنه لم يساوم، ولأنه دفع ثمن أفكاره عزلةً وتشويهًا وهجومًا، لكنه لم يتراجع. أحببته لأنه كان مثالًا للمثقف الذي لا يكتفي بالكتابة، بل يخوض المعركة الأخلاقية كاملة، دفاعًا عن الدولة المدنية، وعن حرية الضمير، وعن الإنسان بوصفه قيمة لا وسيلة.
في زمنٍ سئمت فيه الروح المصرية من فقه التحريم، ومن خطاب “هذا حلال وهذا حرام” خارج سياقه الإنساني، جاء مراد وهبة ليذكّرنا أن الله لم يخلق العقل عبثًا، وأن السؤال ليس خطيئة، وأن التفكير فريضة مؤجلة آن أوانها.
نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى مراد وهبة… لا كشخص، بل كمشروع. كمنهج. كروح تقاوم الردة إلى الكهف، وتصرّ على أن المستقبل لا يُبنى بالنقل الأعمى، بل بالعقل النقدي، وبالشجاعة الفكرية، وبالإيمان العميق بأن الاختلاف ثراء لا تهديد.
وداعًا أيها الفيلسوف النبيل.
نم مطمئنًا…
فالأفكار التي زرعتها لم تمت،
والمعركة التي خضتها لم تنتهِ،
وما زال في هذا الوطن من يؤمن أن العقل سيبقى… مهما طال ليل الظلام
معاق برس حقوق لا عطايا